كلمات شكر ورسالة رفعة وعزّة نرفعها لمؤسسة الصدقة الجارية التي فتحت لنا أبواب الخير على مصراعيه , وكأنها تنادينا بنداء الفضيل بن عيّاض لما كان يقول:( نِعم السائلون, يحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة, حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله تعالى) . إنهم الذين يدعوننا لحفظ أموالنا , ولكن ليس في بنوك الدنيا, فإنهم قد رفعوا شعار ابن مسعود رضي الله عنه لما قال:( إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس، ولا تناله اللصوص؛ فافعل بالصدقة ) , إنه بنك الآخرة الذي لا تضربه الأزمات ولا تؤثر فيه المتغيرات. نعم إنها المؤسسة التي جعلت في شعارها سبع سنبلات , وكأنهم يذكروننا بقول الله تعالى " مثلُ الذينَ ينفقونَ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ كَمَثلِ حبَّةٍ أنبَتَتْ سبْعَ سنابلَ في كلِّ سنبُلةٍ مائةُ حَبَّةٍ واللهُ يُضاعِفُ لمَن يشاءُ واللهُ واسعٌ عليم" (البقرة:261 ). هذا نداء عظيم , فمنْ ذا الذي يُجيب ؟ كم مِنَ الناس رحلوا من الدنيا بغير زاد, تركوا الأموال وودّعوا النعيم , رحلوا بالحسرات ولـزمتهم التبعات, فلا المال ليوم الميعاد قدّموه ولا بعد موتهم أخذوه, !! بل لأهل الميراث تركوه! ومع ذلك سيُحاسبون عليه مِن أين اكتسبوه وأين أنفقوه. الصدقة تطفئ الخطيئة, الصدقة تدفع المكروه, الصدقة سبب في نماء المال وبركته, الصدقة تقرِّبك من الله تعالى, المتصدق في ظل العرش يوم القيامة, الصدقة فكاك ووقاية من النار, الصدقة سبب في تيسير موقف الحساب يوم القيامة , الصدقة تُطفئ حر القبور, الصدقة تُظلٌّ صاحبها, الصدقة برهان, ما أكثر فضائلها وما أعظمها وأجلها!
الآيات في ذلك نحفظها, وأحاديث الصدقات نفهم معناها, ولكن أين التطبيق والتنفيذ والعمل بما نقول ؟ ما زال الكثير من أبناء مجتمعنا الفلسطيني بعيدون عن هذا الباب العظيم من أبواب الخير , وما زال الكثير منهم لا يأبهون بموضوع الصدقات ويعتبرونها شيئاً ثانوياً في شرعنا الحنيف, وما زال البعض يعتقد أن إخراج الصدقة يُنقص المال , ومنهم مَن يظنّ أن الصدقات تجوز فقط على الأموات, يخرجها أبناءه عنه بعد موته .. حتى متى يا مَن رزقكم الله والمال بين أيديكُم ؟ قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بينا رجلٌ في فلاة من الأرض , سمع صوتا من سحابة : اسق حديقة فلان، فتنَحَّى ذلك السحابُ، فأفرغ ماءه في حرّة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجلٌ قائم في حديقة يُحوّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمع من السحابة، فقال له: يا عبد الله ، لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعتُ صوتا في السحاب الذي هذا ماءه يقول: اسق حديقة فلان - لاسمك - فما تصنعُ فيها؟ قال: أما إذا قُلتَ هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، و آكل أنا وعيالي ثلثه، وأردّ فيها ثلثه" وفي رواية: " وأجعل ثُلَثَه في المساكين والسائلين وابن السبيل". فماذا نصنعُ نحن بمعاشاتنا ؟ هل نجعل ثلث المعاش أو السدس أو الثمن صدقة؟ كم تجعل منه لله ؟ سؤال حريّ بنا أن نقف عنده ونسأل أنفسنا ونجد الإجابة .
يُروى أن رجلاً يدعى ابن جدعان كان له من الإبل قطيع يرعاه وينتفع من ورائه , يقول: خرجتُ في فصل الربيع وإذا بي أرى إبلي سماناً يكاد الربيع أن يفجر الحليب من ضرعها، كلما أقترب الحوار من أمه درّت وانهلّ الحليب منها لكثرة الخير والبركة ، فنظرت إلى ناقة وابنها خلفها , تذكرت جارا لي له بنات سبع ، فقير الحال , فقلت والله لأتصدقن بهذه الناقة وبولدها لجاري , والله سبحانه يقول: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" وأحب حلالي هذه الناقة . يقول: فأخذتها وابنها وضربت الباب على جاري و قلت: خذها هديةً مني لك. يقول فرأيتُ الفرح في وجهه ولا يدري ماذا يقول, فكان يشرب من لبنها و يحتطب على ظهرها وينتظر وليدها يكبر ليبيعه، و جاءه منها خير عظيم . فلما انتهى فصل الربيع و جاء الصيف بجفافه وقحطه تشققت الأرض وبدأ البدو يرتحلون يبحثون عن الماء و الكلأ فيقول: شددنا الرحال وأخذنا نبحث عن الماء في الدحول ، (والدحول هي حفر في الأرض توصل إلى محابس مائية وهي أقبية مائية تحت الأرض لها فتحات فوق الأرض يعرفها البدو) يقول: فدخلت داخل الدحل لأحضر الماء لنشرب . وأولاده الثلاثة خارج الدحل ينتظرون، فتاهَ تحت الأرض ولم يعرف الخروج وانتظر أبناءه يوما ويومين وثلاثة حتى يئسوا وقالوا: لعل ثعباناً لدغه فمات ، لعله تاه تحت الأرض وهلك ، وكانوا والعياذ بالله ينتظرون هلاكه طمعا في تقسيم المال والحلال , فذهبوا إلى البيت وقسموا الميراث فقال أوسطهم: أن والدهم قد أعطى ناقة وولدها لجارهم , فبخس الأخوة عطية والدهم لجاره وذهبوا لجارهم يطلبون منه الناقة لا سيما وهي ناقة فيها خير كثير ولبن، فاللبن يغني عن الطعام والشراب , فقالوا أعد الناقة خير لك وخذ هذا الجمل مكانها وإلا فسنسحبها الآن عنوة ولن نعطيك شيئا . قال: أشتكيكم إلى أبيكم . قالوا: اشتكي فلقد مات . قال: مات كيف مات ؟ و أين مات ؟ ِلم لَم أدري ؟ قالوا: دخل دحلاً في الصحراء ولم يخرج ، قال: ناشدتكم الله اذهبوا بي إلى مكان الدحل , ثم خذوا الناقة وافعلوا ما شئتم ولا أريد جملكم. فذهبوا به ولما رأى المكان الذي دخل فيه صاحبه الوفيّ ذهب وأحضر حبلا وأشعل شعلة ثم ربطه خارج الدحل ثم بدا يزحف على ظهره حتى وصل إلى أماكن فيه يحبو، وأماكن يزحف ، وأماكن يتدحرج، و يشتمّ رائحة الرطوبة تقترب وإذا به يسمع أنين الرجل عند الماء فأخذ يزحف اتجاه الأنين في الظلام و يتلمس الأرض ووقعت يده على الطين ثم وقعت يده على الرجل فوضع يده على أنفاسه فإذا هو حي يتنفس. فقام وجرّه وعصب عينيه حتى لا تنبهر بالضوء والشمس ثم أخرجه معه خارج الدحل واسقاه الماء ثمّ حمله على ظهره وجاء به إلى داره , ودبّت الحياة في الرجل من جديد , وأولاده لا يعرفون. فقال الفقير :اخبرني بالله عليك أسبوعاً كاملاً وأنت تحت الأرض ولم تمت.! فقال سأحدثك حديثا عجبا .. لما نزلت ضعت وتشعبَت بي الطرق فقلت آوي إلى الماء الذي وصلت إليه وأخذت اشرب منه ولكن الجوع لا يرحم فالماء لا يكفي يقول وبعد ثلاثة أيام وقد أخذ الجوع مني كل مأخذ , وبينما أنا مستلقي على ظهري وقد فوضت أمري إلى الله وإذا بي أحس بدفء اللبن يتدفق على فمي , فاعتدلت في جلستي وإذا بإناء في الظلام لا أراه يقترب من فمي فاشرب حتى ارتوي ثم يذهب , فأخذ يأتيني ثلاث مرات في اليوم . ولكن منذ يومين انقطع ما ادري سبب انقطاعه ! قال: لو تعلم سبب انقطاعه لتعجبت. فقال لي وما سبب ذلك بالله عليك؟ ..قال: ظن أولادك انك مت وجاءوا إليّ بعد ذلك وسحبوا الناقة التي كان الله يسقيك منها !! ومنذ ذلك اليوم انقطع عنك اللبن. هذا الجزاء في الدنيا فكيف يكون في الآخرة.
وقد نبهنا المصطفى صلى الله عليه وسلم لدواء لا غنى لنا عنه, قال صلى الله عليه وسلم : " داووا مرضاكم في الصدقات " ما من داء إلا وله دواء , والصدقة دواء لكثير من الأمراض المستعصية والصعبة إن حسُنت النية , وصدق الإخلاص لله , وكان الإيمان بها جازماً , جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك وسأله عن مرض أصابه في ركبتيه منذ سبع سنين وقد عالجها بأنواع العلاج وسأل الأطباء فلم ينتفع. فقال له ابن المبارك: اذهب واحفر بئراً فإن الناس بحاجة الماء , فإني أرجو أن تنبع هناك عين ويمسك عنك الدم , ففعل الرجل ذلك , فبرأ. وما أكثر الأمراض في هذا العصر, وما أشد تلهف المرضى للشفاء , فهل حاولنا مداواتها بالصدقات والقربات لله ؟ وهناك الكثير من القصص التي سمعناها من مشايخنا فيها العبرة والدليل على صدق الكلام.
ومرة أخرى, ها هي مؤسسة الصدقة الجارية تفتح لكم أيها الآباء, أيتها الأمهات باباً آخر من أبواب الخير لتلجوا منه إلى جنات الله , إنه مشروع الأسرة المسلمة , مساهمة مالية شهرية , بها نبني مجدنا , ونعمر أركان مجتمعنا , نصون مؤسساتنا, نواسي فقيرنا ونكفل يتيمنا , نبني مجتمعنا ليكون عصامياً . إنها وقفة من وقفات المحاسبة نُقلب فيها صفحات القلوب , ننفض التراب عنها , ليدخل النور إليها, ليتفكك الران الذي علق بها, ولتزول شهوات الدنيا التي تشربها , ولتُغسل الذنوب , كان سفيان الثوري ينشرح إذا رأى سائلاً على بابه فيقول:( مرحباً بمن جاء يغسل ذنوبي) فتصدق وأنفق وتذكر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة) . كم من جائع بحاجة للقمة, هي عنده أفضل مما حوته الدنيا ,وكم من عارٍ, الثوب عنده أعظم ما فيها , وكم من طالب علم بحاجة إلى صدقتك, وكم من حافظ للقرآن بحاجة إلى تبرعك , وكم من أسير , وكم من بيت من بيوت الله وكم من مشفى ... كلٌ بحاجة إلى أموالك وصدقاتك وتبرعاتك , لا تقل وما تفعل أموالي فإنها قليلة !! تذكر قول حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ( سبق درهم مائة ألف . قالوا: يا رسول الله وكيف؟ قال: رجل له درهمان؛ فأخذ أحدهما فتصدّق به، ورجلٌ له مالٌ كثير، فأخذ من عُرْضِ ماله مائة ألف، فتصدق بها ) . تصدّق اليوم وأنت صحيح قبل أن يُحال بينك وبين ذلك فإن الصدقة في حال الصحة أفضل من الصدقة في حال المرض , قال رجل للنبيّ صلى الله عليه وسلم ( يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تصدّق وأنت صحيح حريص، تأمُلُ الغِنَى، وتخشى الفقر، ولا تُمْهِل , حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا...) وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ( درهم ينفقه أحدكم في صحته وشحه، أفضل من مائة يوصى بها عند الموت.فيا مَن يأمل أن يكون في ظل الله يوم لا ظلّ إلا ظله , تصدّق لتكون يوم القيامة, عندما تدنو الشمس حتى تصل إلى الرؤوس, تكون أنت في ظلّ صدقتك التي رباها لك ربك فأصبحت عظيمة. ساهم بهذا المشروع مع هذه المؤسسة التي لا تبغي إلا الأجر ولثواب , تفُـز بإذن الله بخير الدنيا والآخرة. وتذكر : إن لم تكن أنتَ ... فمَنْ ؟؟